أبو علي سينا
202
القانون في الطب ( طبع بيروت )
التزريد الذي في بطون الدماغ ، فليكون للروح النفساني نفوذ في جوهر الدماغ كما في بطونه ، إذ ليس في كل وقت تكون البطون متّسعة منفتحة أو الروح قليلًا بحيث تسعه البطون فقط . ولأن الروح إنما تكمل استحالته عن المزاج الذي للقلب إلى المزاج الذي للدماغ ، بأن ينطبخ فيه انطباخاً يأخذ به من مزاجه ، فهو أول ما يتأدى إلى الدماغ يتأدّى إلى جوفه الأول فيطبخ فيه ثم ينفذ إلى البطن الأوسط فيزداد فيه انطباخاً ، ثم يتمّ انطباخه في البطن المؤخر والانطباخ الفاضل إنما يكون لمخالطة وممازجة ونفوذ في أجزاء المطبوخ من أجزاء الطابخ كحال الغذاء في الكبد على ما نصفه فيما يستقبل ، لكن زرد المقدّم أكثر إفراداً من زرد المؤخّر لأن نسبة الزرد إلى الزرد كنسبة العضو إلى العضو بالتقريب ، والسبب المصغر للمؤخر عن المقدم موجود في الزرد وبين هذا البطن وبين البطن المؤخر ، ومن تحتهما مكان هو متوزعّ العرقين العظيمين الصاعدين إلى الدماغ اللذين ذكرناهما إلى شعبهما التي تنتسج منها المشيمة من تحت الدماغ . وقد عمدت تلك الشعب بجرم من جنس الغد ، يملأ ما بينها ويدعمها كالحال في سائر المتوزعات العرقية ، فإن من شأن الخلاء الذي يقع بينها أن يملأ أيضاً بلحم غددي ، وهذه الغدة تتشكّل بشكل الشعب الموصوفة وعلى هيئة التوزعّ الموصوف . فكما أن التشعب والتوزع المذكور يبتدئ من مضيق ويتفرع إلى سعة يوجبها الانبساط ، كذلك صارت هذه الغدّة صنوبرية ، رأسها يلي مبدأ التوزعّ من فوق وتذهب متوجهة نحو غايتها إلى أن يتم تدلي الشعب ويكون هناك منتسج على مثال المنتسج في المشيمة فيستقر فيه . والجزء من الدماغ المشتمل على هذا البطن الأوسط ، خاصة أجزاؤه التي من فوق دودية الشكل مزردة من زرد موضوعة في طوله ، مربوط بعضها ببعض ليكون له أن يتمدد ، وأن يتقلّص كالدود وباطن فوقه مغشى بالغشاء الذي يستبطن الدماغ إلى حد المؤخر وهو مركب على زائدتين من الدماغ مستديرتين ، إحاطة الطول كالفخذين يقربان إلى التماس ويتباعدان إلى الانفراج تركيباً بأربطة تسقى وترات لئلا يزول عنها ، تكون الدودة إذا تمددت وضاق عرضها ، ضغطت هاتين الزائدتين إلى الاجتماع فينسد المجرى ، وإذا تقلصت إلى القصر وازدادت عرضاً ، تباعدت إلى الافتراق فانفتح المجرى وما يلي منه مؤخر الدماغ أدقّ وإلى التحدّب ما هو فيتهندم في مؤخر الدماغ كالوالج منه في مولج ، ومقدمه أوسع من مؤخره على الهيئة التي يحتملها الدماغ . والزائدتان المذكورتان تسميان : العنبتين ولا تزريد فيهما البتة بل هما ملساوان ليكون سدهما وانطباقهما أشد ، ولتكون إجابتهما إلى التحريك بسبب حركة شيء آخر أشبه بإجابة الشيء الواحد . ولدفع فضول الدماغ مجريان أحدهما في البطن المقدم وعند الحدّ المشترك بينه وبين الذي بعده ، والآخر في البطن الأوسط وليس للبطن المؤخر مجرى مفرد ، وذلك لأنه موضوع في الطرف وصغير أيضاً بالقياس إلى المقدم فلا يحتمل المجرى ويكفيه .